الغزالي

56

إحياء علوم الدين

عن طريقهم ، ويشتغلوا بأمور الدنيا . وذلك قسمة سبقت بها المشيئة الأزلية . وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ) * « 1 » فإن قيل : لا حاجة إلى تقدير عموم التحريم حتى لا يبقى حلال ، فإن ذلك غير واقع . وهو معلوم . ولا شك في أن البعض حرام . وذلك البعض هو الأقل أو الأكثر فيه نظر . وما ذكرتموه من أنه الأقل بالإضافة إلى الكل جلى . ولكن لا بد من دليل محصل على تجويزه ليس من المصالح المرسلة . وما ذكرتموه من التقسيمات كلها مصالح مرسلة ، فلا بد لها من شاهد معين تقاس عليه ، حتى يكون الدليل مقبولا بالاتفاق ، فإن بعض العلماء لا يقبل المصالح المرسلة . فأقول : إن سلم أن الحرام هو الأقل ، فيكفينا برهانا عصر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم والصحابة ، مع وجود الربا والسرقة والغلول والنهب . وان قدر زمان يكون الأكثر هو الحرام ، فيحل التناول أيضا ، فبرهانه ثلاثة أمور الأول : التقسيم الذي حصرناه ، وأبطلنا منه أربعة ، وأثبتنا القسم الخامس . فان ذلك إذا أجرى فيما إذا كان الكل حراما ، كان أحرى فيما إذا كان الحرام هو الأكثر أو الأقل وقول القائل هو مصلحة مرسلة هوس . فإن ذلك إنما تخيل من تخيله في أمور مظنونة ، وهذا مقطوع به . فإنا لا نشك في أن مصلحة الدين والدنيا مراد الشرع ، وهو معلوم بالضرورة ، وليس بمظنون . ولا شك في أن رد كافة الناس إلى قدر الضرورة أو الحاجة ، أو إلى الحشيش والصيد ، مخرب للدنيا أولا ، وللدين بواسطة الدنيا ثانيا . فما لا يشك فيه لا يحتاج إلى أصل يشهد له ، وإنما يستشهد على الخيالات المظنونة المتعلقة بآحاد الأشخاص البرهان الثاني : أن يعلل بقياس محرر ، مردود إلى أصل يتفق الفقهاء الآنسون بالأقيسة الجزئية عليه . وإن كانت الجزئيات مستقرة عند المحصلين ، بالإضافة إلى مثل ما ذكرناه من الأمر الكلى ، الذي هو ضرورة النبي لو بعث في زمان عم التحريم فيه ، حتى لو حكم بغيره لخرب العالم

--> « 1 » الزخرف : 31